لين زاندير تعمل بمكتب المستشار القانوني بالإتحاد الأفريقي (أديس أبابا)
أعتقد أن التنمية هي ربما أحد أهم الأهداف التي نسعى إليه باستمرار, وأنه ينبغي لنا أن نكرس بعض الوقت من تفكيرنا للنظر في العقبات التي تؤخر تقدم الشعب الأفريقي. إن الأمر المطروح للنقاش يكمن في أحد أكبر التحديات التي نواجهها اليوم ألا وهي مشكلة النزاعات المسلحة والمعاناة التي ترافقها لا محال. وقد لاحظ في هذا المجال أحد المتابعين الواقعيين أن علينا القبول بكل وقائع الحروب باعتبارها نتائج طبيعية متوقعة.
ومع أنني لا أستطيع الموافقة على هذا الشعور فما الذي يمكن عمله في أي حال للتخفيف من المعاناة التي تترافق ومثل هذه الظروف؟ الجواب هو في بذل المزيد من الجهود لنشر احترام القانون الدولي الإنساني وتحديداً القوانين التي تسعى إلى حماية الذين لا يشاركون أو كفوا عن المشاركة في العمليات العدائية, والقوانين التي تحكم وسائل وأساليب الحرب. فإذا حظي القانون الدولي الإنساني بالاحترام المناسب, سوف يؤدي إلى حماية غير المقاتلين, إلى أقصى حد ممكن عملياً, كما يؤدي إلى صيانة رموز تراثنا. وتشهد المأساة التي تتكشف في السودان وتبرز بقوة في آثارها على السكان المدنيين إن من غير الممكن اعتبار التشديد على قيمة القانون الدولي الإنساني مبالغاً فيه.
من المؤسف أننا لا نزال نرى الكثيرين لا يعتبرون القانون الدولي الإنساني مسألة ذات أولوية, بل يرون قضايا كثيرة أكثر إلحاحاً مطروحة على جدول الاهتمامات الأفريقية. ولكن إذا ما وافقنا على اعتبار النزاعات وآثارها عقبات رئيسية على طريق التنمية, علينا أن نوافق أيضاً على أن تجاهل دور القانون الإنساني يكلفنا ثمناً باهظاً.
ومع ذلك, ثمة مؤشرات تدعوني إلى التمسك بالأمل والإيمان بأن البلدان الأفريقية تصبح أكثر إدراكاً لفعالية القانون الدولي الإنساني حين يطبق ويحترم بصورة مناسبة :
- لقد لعبت البلدان الأفريقية دوراً بارزاً في المفاوضات التي أدت إلى تبني اتفاقية أوتاوا لعام 1997 التي تحظر من بين أشياء أخرى استعمال وتكديس وإنتاج الألغام المضادة للأفراد. وكانت نتيجة هذه المفاوضات اعتماد صك قانوني شامل يتضمن خطة عمل فعلية تهدف إلى إنهاء استخدام الألغام المضادة للأفراد وإزالتها من الترسانات العسكرية.
- المادة 4(ح) من القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي تسمح للاتحاد الأفريقي بالتدخل في دولة عضو إذا ما طرأت ظروف خطيرة (مثل جرائم حرب وإبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية). وإلى جانب كونها مادة فريدة في وثيقة تأسيسية لمنظمة حكومية دولية, فالمادة 4(ح) تحجب, على الأقل بالنسبة إلى الاتحاد الأفريقي, الصعوبات القانونية المصاحبة لما يسمى بمبدأ التدخل الإنساني وفرض العقوبات من أجل مساعدة ضحايا هذه الانتهاكات الأكثر فظاعة للقانون الدولي الإنساني.
- دخل أخيراً نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية حيز التنفيذ في الأول من يوليه/تموز 2002 , وأنشأ نظاماً دولياً لقمع الانتهاكات الخطيرة لقوانين الحرب. وتملك البلدان الأفريقية حتى الآن أوسع تمثيلاً في جمعية الدول الأطراف في النظام الأساسي مع 27 بلداً صدّقوا على النظام. ويساوي هذا العدد أكثر من نصف أعضاء الاتحاد الأفريقي.
- في قضيتين عنيت المحكمة بهما حتى الآن, تم ذلك بناء على طلب من الحكومتين المعنيتين أي جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغاندا. وهذا دليل إضافي على تنامي الاهتمام بضرورة تنفيذ قواعد القانون الدولي الإنساني.
ثمة أمثلة أخرى كثيرة تدل على نفس الروحية. ويكفي القول بأنها حقاً علامات مشجعة للغاية. ويكمن التحدي الآن في مواصلة الزخم وتسخير دعم جميع الشركاء ومنها اللجنة الدولية للصليب الأحمر للعمل على تعزيز الاحترام للقانون والمبادئ الإنسانية ونحو دمجها دمجاً أكثر فعالية في الخطاب الأفريقي وفي الممارسة. أمنيتي بمناسبة يوم آخر لأفريقيا في المستقبل القريب, أن نكون قد احرزنا, على صعيد القارة, تقدماً نحو هذا الهدف المهم وحررنا أنفسنا بهذه الطريقة من أجل مواجهة أكثر توافقاً للمشاكل الأخرى التي تهدد بتقويض رفاهيتنا الجماعية.