سيداتي ، سادتي
أود تقديم شكري للأمين العام لمنظمة جمعيات الهلال الأحمر والصليب الأحمر العربية على دعوتي إلى هذا الاجتماع المهم. كما أتوجه بالشكر إلى الجمعية المضيفة جمعية الهلال الأحمر في الإمارات العربية المتحدة على استقبالها الحار وضيافتها الكريمة. ولا يسعني إلا التعبير عن سروري البالغ لوجودي هنا. ذلك أنني أود الاستماع إليكم وفهم تطلعاتكم واهتماماتكم على نحو أفضل. فالشراكة تتطلب الإصغاء إلى وجهات نظر بعضنا البعض والاهتمام بالمسائل التي تقلقنا، واللجنة الدولية للصليب الأحمر ترغب في تعزيز علاقاتها مع الجمعيات الوطنية في العالم العربي. أما وجودي هنا اليوم فيمثل دلالة أخرى على هذه الرغبة.
إن اللجنة الدولية للصليب الأحمر معنية في المقام الأول بالعمل الإنساني الميداني الملموس والفعال. ولهذا من الطبيعي أن ابدأ بالتكلم عن بعض عملياتنا الجارية حالياً.
إذا نظرتم إلى نداءات الطوارئ التي وجهتها اللجنة الدولية للعام 2006، تلاحظون التزام المؤسسة الراسخ بالعمل الإنساني في العالمين العربي والإسلامي.
فالسودان وباكستان تبرزان في المركزين الأولين بالنسبة إلى الموارد الإنسانية والتمويل والدعم اللوجستي للعمليات التي التزمت بها اللجنة الدولية.
والصومال الذي يعاني في الوقت نفسه من نزاع مسلح ومن جفاف فظيع يمثل في الوقت الحاضر إحدى أولويات عملنا. وقد ظل هذا البلد ولسنوات طويلة مثالاً للتعاون الممتاز والثقة المتبادلة مع جمعية وطنية للهلال الأحمر.
أما السودان الذي تبلغ النفقات المخططة له في العام 2006 حوالي 100 مليون دولار أمريكي، فيبقى مسرحاً لأوسع عمليات اللجنة الدولية في مجالي المساعدة والحماية .
يعمل نصف موظفي اللجنة الدولية هناك، أي حوالي 2000 موظف من الأجانب والسودانيين الموزعين على ثمانية مراكز للعمليات من أجل مواجهة الأوضاع الإنسانية والأمنية البالغة الصعوبة في دارفور. فيقدمون المساعدات ويحاولون حماية النازحين والمقيمين ، خاصة في المناطق الريفية البعيدة حيث يتواجد عدد قليل جداً من المنظمات الإنسانية الناشطة.
ومن الأمثلة للأعمال التي تساهم يومياً في إنقاذ أرواح الناس في هذه المنطقة نذكر توزيع الأغذية، وتوفير البذور والأدوات الزراعية، وتلقيح الماشية، والتزويد بالماء، وتأمين العمليات الجراحية الميدانية المتنقلة. وفي جنوب السودان، لا يزال تواجد اللجنة الدولية في الميدان الطبي قوياً، حيث يشمل عملنا تقديم الدعم والتدريب لإنشاء مراكز مستديمة لتركيب الأطراف الاصطناعية. وتتزايد أيضاً أنشطة البحث عن المفقودين لدى النازحين واللاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم.
إن تعاوننا الوثيق مع جمعية الهلال الأحمر السوداني يرتدي أهمية بالغة في هذه الأوضاع الصعبة. وقد أسعدني بالأمس أن ألتقي أمين عام الجمعية الذي يتعافى من الحادث الخطير الذي تعرض له. وثمة جمعيات وطنية عديدة ومنها جمعيات من العالم العربي تقدم مساهمات قيّمة للتخفيف من معاناة الناس في السودان.
يشهد القرن الأفريقي، كما تعلمون، أزمة كبيرة في توفير سبل العيش والأمن الغذائي، والمناطق الأكثر تضرراً هي جنوب الصومال وجنوب شرق أثيوبيا وشمال كينيا. ويضرب الجفاف مناطق النزاع لاسيما في جنوب الصومال حيث أدى النزاع المسلح وغياب القانون إلى تنقل كثيف للأسر وتسبب في عدد كبير من الإصابات. وتلعب اللجنة الدولية منذ سنوات طويلة دوراً رئيسياً في العمل الإنساني في الصومال وقد عززت في الفترة الأخيرة أنشطتها بهدف الحد من آثار الجفاف. وقامت حتى الآن بتوزيع الغذاء على 000 80 شخص وتواصل شراء الماشية لتجنيب آلاف الرعاة آفة العوز.
هذا وتشهد منطقة إسرائيل والأراضي المحتلة وأراضي الحكم الذاتي إحدى أوسع عمليات اللجنة الدولية الإنسانية مع تركيز قوي على أنشطة الحماية والتي تشمل تذكير السلطات بالتزاماتها القانونية. وقد نضطر إلى زيادة أنشطتنا الميدانية في قطاع غزة وفقاً للأوضاع المتغيرة والحاجات التي تولدها. كما تولي اللجنة الدولية اهتماماً خاصاً للآثار الإنسانية التي يخلفها بناء الجدار في الضفة الغربية.
تقوم اللجنة الدولية حالياً بزيارة أكثر من 000 10 محتجز فلسطيني لدى إسرائيل. ولا يزال المحتجزون وأسرهم يعتمدون على الزيارات العائلية التي تنظمها اللجنة الدولية . فخلال العام 2005 ، تمكّن 000 200 شخص من زيارة أقاربهم في أماكن الاحتجاز الإسرائيلية. وتزور اللجنة الدولية كذلك أماكن الاحتجاز الخاضعة للسلطة الفلسطينية. ويجدر بنا أن نذكر أيضاً التعاون الممتاز مع كل من الهلال الأحمر الفلسطيني وجمعية نجمة داود الحمراء والذي يشمل القطاع الحيوي لخدمات الطوارئ الطبية.
هذا وتبحث اللجنة الدولية عن إمكانية القيام بالمزيد من الأنشطة الطبية داخل الجولان المحتل كما تعهدت به خلال المؤتمر الدبلوماسي المنعقد في ديسمبر/كانون الأول الماضي. وتواصل حالياً العمل لإنشاء مركز طوارئ طبي يأتي في المرتبة الأولى من الاحتياجات المحددة هناك. ومنذ العام 1967، قدمت اللجنة الدولية عدداً من الخدمات الإنسانية في هذه المنطقة وستستمر في تقديمها.
أما العراق فيتميز العمل فيه بصعوبة بالغة في ظل الصراع الدائر والعدد الهائل للإصابات في صفوف السكان المدنيين. وتبقى أولوية اللجنة الدولية هناك زيارة الأشخاص المحرومين من حريتهم. فخلال العام 2005 ، زار مندوبو اللجنة الدولية حوالي 000 14 محتجز في أكثر من 80 زيارة لأماكن احتجاز مختلفة في العراق. كما تساعد اللجنة الدولية العائلات في زيارة أقاربها من المحتجزين. ومن أجل الحفاظ على الاتصال بين السجناء وعائلاتهم، تولّت كل من اللجنة الدولية للصليب الأحمر وجمعية الهلال الأحمر العراقي جمع وتوزيع آلاف الرسائل العائلية خلال هذه الفترة.
وتقدم اللجنة الدولية كذلك الخدمات الطبية والماء والمساعدات المادية والغذاء إلى السكان المدنيين المتضررين من النزاع ويوزع القسم الأعظم منها بواسطة الهلال الأحمر العراقي الذي يقوم بعمل رائع ضمن ظروف في غاية الصعوبة.
هذا وتبقى اللجنة الدولية للصليب الأحمر ملتزمة إلى حد كبير بتقديم المساعدة الإنسانية إلى الذين تضرروا جراء الزلزال الرهيب الذي ضرب جنوب آسيا في شهر أكتوبر/تشرين الأول 2005. وقد ركزت أنشطتها للمساعدة ولا تزال تركزها على مقاطعة مظفر آباد إضافة إلى واديي "نيلوم" وجهيلوم".
تلعب اللجنة الدولية دوراً بارزاً في هذه المنطقة من خلال مساعدتها لربع سكان المقاطعة، وقدرتها على التحرك بسرعة. ويتميز عملها بتعاون ممتاز مع السلطات الباكستانية – وخاصة الجيش- وجمعية الهلال الأحمر الباكستاني وجمعيات وطنية مختلفة تشارك في العمل لاسيما في المجال الطبي.
سيداتي ، سادتي
إن العالمية هي واحدة من مبادئ الحركة السبعة الأساسية. وأحياناً أرى نفسي ميالاً إلى اقتراح المصداقية كمبدأ إضافي. فكما نعرفه جميعاً وربما نقّر به جميعاً، لا تمتلك المبادئ مصداقية إلا بقدر ما هي محترمة وموجِّهة لسلوكنا. وقد شكل اعتماد البروتوكول الإضافي الثالث في المؤتمر الدبلوماسي الذي انعقد في شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي خطوة مهمة بالنسبة إلى تحقيق العالمية. وكان في الوقت نفسه خطوة مهمة بالنسبة إلى مصداقية الحركة. ورحبت اللجنة الدولية للصليب الأحمر ترحيباً حاراً بهذا القرار كما أرحب به شخصياً.
لقد التزمت بهذه العملية منذ أن توليت رئاسة اللجنة الدولية، وناشدت المشاركين في المؤتمر أن يتعاملوا مع هذه القضية باعتبارها قضية إنسانية بحتة ويتركوا الاعتبارات السياسية جانباً.
وأملي قوي بأن يتبنى المؤتمر الدولي في حزيران/يونيو المقبل تعديلات النظام الأساسي للحركة اللاحقة لاعتماد البروتوكول الثالث. فتكون قد تحققت عندها الشروط القانونية لاعتراف اللجنة الدولية وقبول الاتحاد الدولي بانضمام جمعية نجمة داود الحمراء في إسرائيل وغيرها من الجمعيات التي قد تختار شارة البلورة الحمراء في المستقبل وتستجيب للشرط الآخر المطلوب في المادة 4 من النظام الأساسي للحركة. ولا حاجة للتذكير بأن هذه الشروط يجب أن تحترم كذلك بعد أن تصبح الجمعية عضواً كاملاً في الحركة.
يهدف المؤتمر أيضاً إلى خلق إطار للاعتراف والقبول بجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني عضواً كاملاً في الحركة وهي إمكانية أرحب بها بشدة كذلك. وإذا كانت لديكم بواعث قلق بالنسبة إلى مؤتمر حزيران/يونيو سأكون سعيداً بمناقشتها معكم. إنني هنا للاستماع إليكم والتعرف إلى مشاغلكم.
لقد كان هنالك عنصر مهم في العملية التي قادت إلى اعتماد البروتوكول الإضافي الثالث وهو إبرام مذكرة التفاهم بين جمعيتي نجمة داود الحمراء والهلال الأحمر الفلسطيني والاتفاق حول الترتيبات الميدانية. وتنص مذكرة التفاهم ، من بين ما تنص عليه، على أن جمعيتي نجمة داود الحمراء والهلال الأحمر الفلسطيني ستعملان طبقاً للإطار القانوني المطبق على الأراضي الفلسطينية المحتلة بما في ذلك اتفاقية جنيف الرابعة.
وأود التركيز على الأهمية البالغة التي يرتديها التنفيذ المبكر والكامل للالتزامات المتضمنة في مذكرة التفاهم وللترتيبات الميدانية. وسيؤدي ذلك إلى تعزيز الخدمات الإنسانية المقدمة للذين هم بأمس الحاجة إليها وتحسين التعاون بين الجمعيتين في إنجازهما للمهمات الموكلة إليهما.
إن تحقيق تنسيق أفضل بين الهيئات الإنسانية بهدف تعزيز تأثير العمل الإنساني هو مسألة تثير، بحق، اهتماماً علنياً وسياسياً متزايداً داخل الحركة وخارجها.
لا شك أنكم تدركون أهمية العمل الجاري داخل إطار الأمم المتحدة والذي تتخطى آثاره نظام الأمم المتحدة. ويمكن أن تكون بالفعل بعض جمعياتكم جزءاً من هذا النظام باعتبارها وكالات تنفيذية مثلاً.
نحن نملك داخل الحركة اتفاقاً يتضمن قواعد للتنسيق. وكانت لنا في سيول جولات نقاش مفيدة حول اتفاق إشبيلية. وربما لاحظتم أنني شجعت بصفتي رئيساً لمجلس المندوبين على تبني حوار مفتوح وأعطيت الوقت اللازم لذلك.
إن اللجنة الدولية للصليب الأحمر مستعدة لتوظيف جهودها في فريق العمل الذي أنشأه المجلس وطلب من رئيسه رفع تقرير عن أعماله إلى اجتماع مجلس المندوبين القادم. ونتوقع أن تتبني الموقف نفسه جميع المكونات الأخرى المعنية بآلية تنسيق فعالة داخل الحركة تكون ملائمة مع مهمات مختلف مكوناتها.
لم نكن البادئين بهذه العملية إلا أن لدينا رغبة صادقة في أن يطبق اتفاق إشبيلية والإجراءات الإضافية على أفضل نحو ممكن. لن يبلغ التنسيق حد الكمال أبداً ولكن ثمة إمكانية لتحسينه. وسيكون الحكم على شبكة عمل الحركة في بيئتنا الحالية مرتبطاً أكثر فأكثر بقدرتها على تنسيق العمل الإنساني في ما بين مكوناتها. الأمر الذي يشكل تحدياً نرحب به. فمصلحة اللجنة الدولية بالتنسيق تتعلق بأهدافها الإنسانية حصراً أي تعزيز تأثير العمل الإنساني من خلال التنسيق الفعال مع شركاء يعملون بفعالية ويتبعون القواعد المقررة سواء أكان ذلك داخل شبكة الحركة أم خارجها. إلا أن الحركة تبقى الإطار الرئيسي الذي تعتمده اللجنة الدولية.
أخيراً لا يمكنني، خصوصاً في هذه الظروف، أن أنهي كلمتي من دون التأكيد على أهمية الاحترام المتبادل للديانات والثقافات والمعتقدات المختلفة . إن حركة الصليب الأحمر والهلال الأحمر تملك هنا فرصة فريدة لتكون مثالاً مقنعاً في هذا المجال.
إنني أتمنى لهذا المؤتمر النجاح المنشود.
شكراً لكم.