إن جمال المناطق المحيطة بطويلة في شمال دارفور الذي يخلب العقل والفؤاد, يكذّب أهوال العنف الذي يعصف بهذه المنطقة منذ عام 2004, مجبرا أكثر من 20 ألف شخص على الفرار بحثا عن ملاذ آمن في أماكن أخرى.
وترقد البلدة, التي تقع على بعد أكثر من ساعة بالسيارة غرب الفاشر, في حضن سلسلة جبال مرة. وتنشر شمس منتصف النهار أشعتها لتغمر شوارعها بخيوطها الذهبية, وها هو المسجد يقف منتصبا. ولا تعج البلدة بالحركة بل إنها في واقع الأمر هادئة هدوءاً كبيرا جدا.
واستحالت مدينة طويلة اليوم إلى مدينة أشباح تقريبا, فليس هناك أناس ولا أطفال يلعبون في شوارعها وأزقتها. والبيوت فارغة من سكانها, يفتقر بعضها إلى أسقف من القش; بينما نجد خارج الباب الأمامي للبعض الآخر القليل من الأواني الفارغة.
ولاذ الناس بالفرار منذ العام 2004 بعد تعرض البلدة لهجمات متكررة, بحثا عن ملاذ آمن في مخيم اسمه "رواندا"بعيدا عنها.
الأخبار السارة عند وجبة الفطور
تعود الحياة إلى المخيم عند الساعة التاسعة, عندما يبدأ مالكو السوق الصغيرة داخل المخيم بفتح أكشاكهم الصغيرة, ويرتبون الطماطم (البندورة) والبصل والخبز والتوابل لبيعها. وفي الوقت نفسه, يقوم مكتب البحث عن المفقودين التابع للهلال الأحمر السوداني الواقع في قلب المخيم بفتح أبوابه لمساعدة أشخاص ينتظرون بفارغ الصبر أخبارا عن أحبائهم المفقودين.
عيسى سوراج البالغ من العمر 28 سنة وسمير أحمد 26 سنة هم متطوعان في الهلال الأحمر السوداني مكلفين بتوزيع الرسائل في المخيم وجمعها. إنهما يستعدان لتسليم رسالة إلى "سينا إيسهاج" البالغة من العمر 26 سنة, والتي تعد الفطور لزوجها وأطفالها الثلاثة. إنها تنتظر منذ الأسابيع الماضية أخبارا من والدتها. وحالما فتحت باب منزلها ورأت عيسى وسمير, ابتسمت ابتسامة عريضة وقالت: "رسالة من والدتي, الحمد لله!"
"رسائل الصليب الأحمر تحمل أبسط الأخبار إلى العائلات والأفراد... وهذا يمثل كل شيء لهم"
وتشرح سينا قائلة: "في عام 2005, بعد أن تعرضت طويلة لعدة هجمات هربنا إلى هذا المخيم. فقد شعرنا بالخوف من أن مكروها سيصيبنا إذا بقينا في البلدة".
"تعيش والدتي في نيالا في جنوب دارفور. ولا يسعني زيارتها, فهي تعيش بعيدا من هنا. وكلما تسلمت رسالة منها عرفت أنها بخير, ومن المهم جدا بالنسبة لي أن أتلقى أخبارا منها. فهذا هو السبيل الوحيد أمامي لمعرفة أنها بصحة جيدة".
وفيما تقرأ الرسالة, تبتسم "سينا" بسرور. تقول وهي تعيد قراءتها: "يساعدني الهلال الأحمر على البقاء على اتصال بها بانتظام. أنا سعيدة جدا لذلك. غدا سأجيب عن رسالتها وأنا أعلم أننا سنبقى على اتصال مرارا وتكرارا بفضل الهلال الأحمر".
جسر بين الأسر المنفصلة
يستلم متطوعو الصليب الأحمر كل سنة آلاف الرسائل في دارفور وأنحاء أخرى من السودان ويوزعونها بدعم من اللجنة الدولية.
ويقول "عيسى سوراج": "هذه الرسائل هي الوسيلة الوحيدة التي في متناول النازحين للاتصال بأقاربهم. فنحن جميعا ندرك أهمية الحفاظ على هذا الاتصال. وفي كل مرة أسلم رسالة إلى أحدهم, أشعر بأنني كالجسر بين الأسر المنفصلة".
"فأنا بنفسي نازح وأدرك تماما ما معنى عدم تلقي أخبار من الأحبة; فنحن نكف عن الشعور بالوحدة, عندما تصلنا رسالة".
ويضيف قائلا: "تحمل رسائل الصليب الأحمر أبسط الأخبار إلى العائلات والأفراد المنفصلين جراء النـزاعات المسلحة. وتمكِّن الذين تشتتوا بسبب الحرب من الحفاظ على الاتصال وتبادل الأخبار العائلية. وهذا يمثل كل شيء لهم".